بسم الله الرحمن الرحيم

 
الظهور قدر يجري بين أيدينا

                                                                                                                                           
إعداد وتقديم
                                                                                                                                           
أ. مريم العباد
                                                                                                                                        جامعة الزهراء -  قم المقدسة
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) سورة الحديد

كثيراً مانتصور أنّ ظهور مولانا صاحب العصر والزمان يلزمه علامات مثل ظهور الدجل أو خروج السفياني أو كثرة الأمراض والاختلافات الكونيّة إلى ان يأتي عجل الله تعالى فرجه كي ينشر في الارض العدل بعد ملأها بالجور والظلم لكنا غافلين عن ان الظهور قدر يجري بين أيدينا وأننا نحن من علامات الظهور وان العدل بل القسط الذي هو في مرتبة بعد العدل وظيفة يجب أن تقام تمهيداً لظهوره عليه السلام، فالأية الكريمة نسبت القيام بالقسط الى الناس فما هو الفرق بين العدل والقسط وماهي دائرتهما، وما هو ميزان القسط ؟!
هذه الورقة التي بين أيديكم تتناول هذا البحث ونبدأها بهذه المقدمة
مع أن مفهوم العدل من اوضح المفاهيم ولااحد يدعي عدم معرفته الا انه من اعقدها تطبيقاً وهذا ماتبينه الاية الكريمة . فالآية كما يرى المفسرون تقول أن كل ما أتى به الرسل كان بين وواضح للناس من قول أو فعل والاية الكريمة حيث أتت مطلقه تريد بذلك أن حتى معجزاتهم كانت بينه وواضحة أنها حق.
و بقدر مايكون الفساد شديداً يكون الاعجاز أشد ويحتاج أرضية واستعداد أقوى فلاحظوا أنها قالت أرسلنا الرسل بالبينات للقيام بأهم معجزة بدأها أوّل نبي إلى أن تتجلى في أشد مظاهرها على يد الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه وهي قيام الناس بالقسط ، واللطيف أن الاية لم تقل ليقوم الناس بالعدل بل قالت بالقسط ، لان القسط هو مرتبة اجراء العدل في الخارج.
فالعدل حالة تحكيم العقل على القوى الشهوية والغضبية بنظرة توحيديه ( وهذا ماسيأتي معناه ) و القسط هو تطبيقه أولاً على النفس ومدى استيعابها للحقائق ثم على الجوانب الاخرى من تجارة وصناعة ودراسة وفن و....اذن في المرتبة الأهم والاول لابد أن يبدأ القيام بالقسط من مرتبة صناعة المفاهيم وإدراكهم للحقائق وهذا ليس بالأمر السهل اليسير و لايتم الا عن طريق ارسال الرسل الموحدين بل هذا هو الاعجاز الواقعي المنتظر ظهوره والذي سيصل الى اكمل مراحلة عند ظهور مولانا الامام في عصر الظهور فهو عصر ظهور باطن الحقائق فلعلنا نعتقد اننا ندرك مفاهيم كثيرة الا ان شوائب الزمان والمكان جعلت مغالطات كثيره عليها ابعدتنا عن الادراك الصحيح، بالتالي جعلت اعمالنا وافعالنا بعيدة تماما عن الصراط المستقيم ، وهذا ماقد هدم صرح الاخلاق الاسلامية .

القسط في الحكمة العملية:
ان دكارت قبل اربعمئة سنة قال جملته المشهوره التي غيرت تاريخ البشريه قال انا ادرك اذاً انا موجود ونزيد عليه انك تقول الانسان مادام انه لايفكر فهو غير موجود ولكن هذا الانسان مادام انه غير متخلق فهو ليس بإنسان اصلاً . ولذا فإنّ اهم المفاهيم التي تحتاج الى تصحيح هو مفهوم الحكمة العملية ، بمعنى اخر قرآني القسط ، والذي قد حل ماحل فيه من تشويش الى ان وصل بنا ان تصل الحكمه الى مايميله الجماهير لا الدين، ويصبح الامر بالعروف بمايشتهيه العرف لا الدين ، وتنصيب افكار ومعتقدات وتقديرات العوام ويكون دور بعض العلماء البحث عن الاحكام الثانويه والمبررات الشرعية حتى تحل محل الاحكام الاولية والتي هي الاصل في الحركة الاجتماعية . أليس هذا من اعظم انواع الفساد في الدين، والتلاعب فيه بالحقائق العقلية ؟ وحلول مغالطات روحية صنعها شياطين الانس قبل الجن يقول تعالى( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا )
بعد هذا كله يدعى ان العدل والقسط معناهما واضح ، نعم هو واضح لأن الاية الكريمة قالت ارسلنا رسلنا بالبيات ومن البينات هو القسط لكن بعد ذلك تقول وانزلنا الحديد وعبرت فيه بأس شديد، لطيف هذا الربط في الاية حيث انها تتكلم عن القسط الشامل لكل جوانب الحياة ثم كي تعبر عن انه صعب في التطبيق بل هو احد اهم كرامات الظهور تربطه بالحديد وان فيه بأس شديد بمعنى ان اجراءه ليس بالسهل يحتاج الى قيام من الناس فلم تقل ارسلناهم كي يقسطوا بل يقوموا بالقسط وتنسب ذلك الى الناس لا فقط الامام ، فهي وظيفة قبل الظهور، وتمهيد له، ولاتتم الا بالتوحيد فالعدل يعني وضع الشئ في موضعه ، ومن يعرف مواضع كل الاشياء؟ الا خالقها ، ومدبرها، وكثير من الاحيان نعتقد اننا متعقلون وأنّاقد عملنا طبق قواعد عقلية لكن الباري تعالى يرينا ضعف عقولنا بموجود من اشد المراتب ضعفاً وهي الطبيعه، ( قصة ابن نوح) بل اننا حتى في معنى العدل نحن لسنا بعدول ، فنرى ان كثير منا يفسر العدل بالاعتدال الذي جاء معناه عند ارسطو ، والاعتدال يعني الحد الوسط لكل شئ بمعنى اللاافراط ولاتفريط ، فمثلا، الشجاعة تقع بين الجبن والتهور، لكن منطق القران مختلف تماماً،فهل كل أمر لابد فيه من اعتدال؟ وهل كل اعتدال بهذا المعنى هو الصحيح؟ ام ان طلب العلم لاحد وسط فيه، طلب الكمال لاحد وسط فيه والا مامعنى الافاق( افق الانسان يختلف عن اي افق لأي موجود فهو لانهاية له

ولذا فإ العدل اول طريق التقوى فالايه تقول اعدلوا هو اقرب للتقوى فيعرف منها ان هناك طريق اخر بعدها ويبينه في اية اخرى يقول فيها ان الله يامر بالعدل والاحسان وهو مقام يصل اليه الفرد،و لايعرف الحد الوسط في الكمال فمرتبة الاعتدال من المراتب الاولى ويليها مرتبة سابقوا وسارعوا والتي تجلت فيهم صلوات الله عليهم ، نعم نحن من يخاطب بأية
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا
لكن وبعد ان يذكر الله تعالى مرتبة القسط في سورة الحديد يتكلم عن مرتبة اعلى واجلى بقوله تعالى
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ ...
ألم نقرأ ان الحسن عليه السلام قد خرج من امواله مرتين او ثلاث؟ ألم نقرأ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا ؟ الم نقرأ الحديث الشريف في علي مع الحق والحق مع علي ؟ أين مرتبة الاعتدال المدعاة هنا؟ هؤلاء هم من يكون نموذج وقدوة للناس حتى في إفهامهم وادراكهم فالانسان واقعه ذو قلب اجوف لان الله تعالى فقط هو الصمد وعليه ان يختار من يملأ هذا التجويف فإما ان الله وجنوده والمعصومين يحولون بين المرء وقلبه واما شياطين الجن والانس ،
الخلاصة
يقول تعالى (( وَلَقَد كَتَبنا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ )) (الانبياء:105) فالوارث مادياً ينتظر المورث ان يموت كي يرث ، لكن الوراثة الالهيه يجب ان يموت ويفنى هو في القدوة كي تنعكس فيه كل صفات المورث ، ويصبح مرآة له، وهذا لايتم ولايستطيع عليه الا امام معصوم يسير بالخلق الى الحق بالحق ويدرك مواضع كل الاشياء ( الخضر نموذجاً) وهي اخر مرحلة من الاسفار الاربعه والتي بها يتحقق القسط .
بسم الله الرحمن الرحيم ( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم الائمه ونجعلهم الوارثين ) صدق الله العلي العظيم